هل الحرب التجارية المقبلة لأمريكا مع الهند؟

+ = -


17 % متوسط التعريفات الجمركية الهندية وهو واحد من أعلى المعدلات في منظمة التجارة العالمية

«لقد بنوا أبطالا محليين في الصين، فلماذا لا نفعل الشيء نفسه في الهند؟».. المستشار الاقتصادي آرفيند سوبرامانيان

ربما تكون قد فاتتك قراءة أخبار الحرب التجارية الأمريكية مع الصين وسط العناوين الرئيسية الكثيرة في الصحف، ولكن الصراع التجاري منخفض الوتيرة حتى الآن بين الولايات المتحدة ودولة الهند العملاقة ذات الاقتصاد الناشئ في آسيا على وشك أن يشتعل هو الآخر.

وقبل عام من الآن، عندما رفضت الولايات المتحدة استثناء الهند من فرض التعريفات الجمركية على بضائعها التي تصدرها لأمريكا، بسبب مزاعم بأنها تمارس التمييز ضد الشركات الأمريكية. وردت الهند على هذا الرفض الأمريكي من خلال تنفيذ التعريفات، التي كانت قد هددت بها من قبل، على واردات الصلب الأمريكية للبلاد.

ورغم سفر الرئيس ترامب مؤخرا إلى الهند، حينما وصل إلى نوع من الهدنة مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي، لكن من المرجح أن يستمر الصراع الأساسي بين الدولتين، لأنه مدفوع بقوى مشابهة لتلك التي تقف وراء الحرب التجارية مع الصين.

وفي جوهر الصراع، يسعى مودي إلى تكرار التركيبة الاقتصادية التي جعلت الصين الاقتصاد رقم 2 في العالم، من خلال الترحيب بالاستثمار الأجنبي، مع حماية المزيد من شركات السوق المحلية الهندية.

ولا تشكل الهند نفس التهديد الاقتصادي أو الجيوسياسي الذي تفرضه الصين على الولايات المتحدة، لكنها في الوقت الحالي تقف على مسار تصادمي مع ترامب، المصمم على معاقبة أي بلد يعتقد أنه قد يستغل الولايات المتحدة.

على الجانب الآخر، يعود خط الحماية الهندى في الفترة الحالية إلى الوراء. ويرى رئيس وزرائها الأول جواهر لال نهرو Jawaharlal Nehru، زعيم حزب المؤتمر الوطني الهندي، أن الاشتراكية واستبدال الواردات مفتاح تطور البلاد والاكتفاء الذاتي، كما أدت أزمة الصرف الأجنبي في أوائل التسعينيات، إلى انطلاق موجة من التحرر تحت مظلة مجلس نواب (كونجرس) وتحالف سياسي هندي بقيادة حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي، الذي أدى إلى فترة من النمو السريع في أوائل الألفينيات.

ومع ذلك، استمرت مشاكل اللوائح المعقدة والتراخيص والسيطرة الحكومية على البنوك، وغيرها من الصناعات الرئيسية، وتسببت السياسات المتقلبة، في إعاقة ريادة الأعمال والاستثمار.

ووعد مودي بتغيير ذلك عندما قاد حزب بهاراتيا جاناتا إلى السلطة في عام 2014 رافعا شعار «الحد الأدنى من الحكومة.. الحد الأقصى من الحوكمة» -يقصد تحقيق التميز والجودة في العمل بدلاً من التقيد بالروتين- واستخدم مودي شعاراته الرنانة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، في سويسرا، عام 2018 للدفاع عن العولمة ضد «قوى الحمائية».

وفي داخل الهند، قدم مودي تغييرات مهمة، مثل: قانون الإفلاس المنظم، وضريبة المبيعات الوطنية المبسطة.

ولكن عندما يتعلق الأمر بالتعامل خارج حدود البلاد، أعادت الهند الحمائية إلى السطح تحت لواء مودي. وفي ميزانية 2018 ومرة أخرى هذا العام، رفعت حكومة مودي الرسوم الجمركية على العديد من المنتجات. وارتفع متوسط تعريفة الدولة إلى 17٪ في عام 2018، وهي واحدة من أعلى المعدلات في منظمة التجارة العالمية.

وفي تقرير حول حواجز التجارة الخارجية في العام الماضي، اشتكى الممثل التجاري للولايات المتحدة من برنامج السيد مودي لدعم برنامج «صنع في الهند» وسياسة التجارة الخارجية التي تتبعها البلاد، بالإضافة إلى الشكوى من سياسة التصنيع الوطنية الموجودة مسبقًا ضمن اللوائح الهندية، وفرض قيود على نقل المحتوى والتكنولوجيا المحلية للدفاع، إضافة إلى الإلكترونيات والخدمات الطبية والاتصالات والمعلومات ومنتجات الطاقة النظيفة.

وستتطلب القواعد الجديدة والمقترحة تقديم البيانات الشخصية للعملاء الهنود، والبيانات التي يتم إنشاؤها في الهند بواسطة موفري الحوسبة السحابية مع مطالبة بعض شركات الاتصالات بأن تكون موجودة فعليا في الهند من خلال مقر معروف.

وقدرت جلوبال تريد أليرت Global Trade Alert، وهي مجموعة مراقبة تجارية مقرها سويسرا، أن أكثر من نصف الواردات الهندية تتأثر الآن بثلاثة تدابير حمائية ضارة على الأقل، بدأ تنفيذها منذ عام 2008.

وكانت لحكومة مودي أيضًا مشاركة مترددة في الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف، حيث خرجت من المفاوضات بشأن اتفاقية منظمة التجارة العالمية لتخفيف الحواجز الجمركية أمام الواردات في عام 2016، وانسحبت في الخريف الماضي من الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، وهي كتلة تجارية آسيوية، خوفا من تدفق الواردات من الصين. ولموازنة ذلك الانسحاب، سعت الهند بصورة أكبر إلى عقد الصفقات التجارية الثنائية.

ولا يمكن النظر لمودي أبدا بوصفه محررا للاقتصاد على الطريقة الغربية، فعلى عكس الأحزاب اليمينية الأخرى المؤيدة للانفتاح الاقتصادي والمشجعة على العولمة، يريد حزب بهاراتيا جاناتا حماية مؤيديه الأساسيين من الشركات الصغيرة والتجار من المنافسة المفتوحة مع الشركات الكبرى.

وأوضح الصحفي الاقتصادي الهندي سواميناثان أيار Swaminathan Aiyar في تعليق لمعهد كاتو في عام 2018 على الأمر بقوله: «يهدف حزب بهاراتيا جاناتا الهندي إلى خلق أبطال قوميين في كل من القطاعين العام والخاص، وتزويدهم بدعم حكومي ضد المنافسين الأجانب».

ويختلف احتضان البلاد الحالي لمبادئ الحمائية الاقتصادية عن النظريات السابقة، التي كانت تتبعها الهند، وكان الهدف هو جعل البلاد مكتفية ذاتيا. وبدلاً من تحقيق ذلك الهدف، أشار أيار في كتاباته إلى أن مودي أصبح يسعى إلى تأمين مكان للمصنعين الهنود في سلاسل التوريد العالمية.

أيضا، فتح مودي الباب لتدفق المزيد من الاستثمارات الأجنبية على أمل أن تساعد في بناء القدرة الصناعية المحلية للبلاد، كما حدث في الصين.

ويقول آرفيند سوبرامانيان Arvind Subramanian، المستشار الاقتصادي السابق لحكومة مودي، وهو الآن محاضر في جامعة هارفارد: «النموذج الصيني له صدى قوي للغاية في الهند»، وأضاف: «لقد بنوا أبطالا صينيين محليين، فلماذا لا يمكننا أن نفعل الشيء نفسه هنا؟».

لكن مودي يواجه عقبات لم تواجهها الصين، وهي:

أولا: إن لوائح الهند، على سبيل المثال، المتعلقة باستئجار الأراضي والحصول عليها، مرهقة للغاية بالنسبة إلى الشركات الكبيرة أكثر من الشركات الصغيرة.

ويقول سوبرامانيان: «من الصعب جدًا أن تصبح كبيرا ثم تتوسع أكثر في الهند».

وأضاف: «إذا لم تتمكن من القيام بذلك، فلن تتمكن أبدًا من أن تصبح قوة تصنيع وتصدير عظمى».

وفي مقال حديث، أظهر سوبرامانيان بالتعاون مع مؤلف مشارك أن التصنيع الهندي بلغ ذروته بحصة أقل بكثير من الناتج المحلي الإجمالي في الصين، وهو أحد أعراض «إزالة التصنيع المبكرة» كما قام بوصفها.

ثانيا: أثار صعود الصين رد فعل عالميا ضد التجارة الحرة التي تعمل ضد أي بلد يحاول تكرار السيناريو الصيني.

وفي حين أن صناع السياسة في الولايات المتحدة لا يرون أن الهند تشكل تهديدا إستراتيجيا مثل الصين على أمريكا، إلا أن احتضان مودي لمزيد من النزعة القومية الهندوسية، التي أشعلت احتجاجات الأقلية المسلمة في البلاد، زرعت الشك في بعض هذه النوايا الأمريكية الحسنة تجاه نيودلهي.

ختاماً، يزعم الرئيس ترامب في تصريحاته أنه معجب شخصيا بشخصية مودي. ولكن هذا لن يجنب دخول الولايات المتحدة في حرب تجارية مع الهند، أكثر مما فعلت مودة ترامب تجاه الرئيس شي جين بينج للصين.



Source link

               

أترك تعليق
تابعنا على تويتر