مها نصار.. رائحة عبلة كامل تفوح من حوارى الجمالية

+ = -

كانت ولا زالت وستظل عبلة كامل هى المعادلة المستحيلة فى التمثيل.. تعيش فى منطقة وحدها لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها.. لها عالمها الذى لا يوازيه عالم، وبابها الذى لا يطرقه مخلوق.. قطعة كونية من الموهبة الخام.. أتذكر عبلة كامل ثم أتذكر الباقين.. هكذا هى عبلة فى ذهنى ووجدانى لا أحد يقترب من مكانتها فى قلبى، ولا أعرف لها مثيلًا، ومن غير المنطقى بحسابات الفطرة أن يكون لها بديل.
لكن يبدو أنه وبعد مرور سنوات عجاف من المواهب الأنثوية فى التمثيل.. ظهرت مَن تجرأت أن تطرق الباب المنيع.. باب عبلة كامل السحرى الذى لا يقترب منه أحد إلا واحترق بنيران المقارنة غير المتكافئة.
ولكن يا للعجب، المُغَامِرة هذه المرة هى شابة يافعة اسمها مها نصار، والحق أننى لم أكن أعرف اسمها حتى، وللأسف لم يتصادف أننى ركزت فى المسلسلات التى كانت تؤدى فيها أدوارًا ثانوية.. لكن هذه المرة وأنا أتابع مسلسلًا رائقًا جميلًا، صنع بعيدًا عن هوس الترندات الكاذبة على نار هادئة اسمه «الفتوة»، وجدتها وخطفنى حضورها الطاغى وسرقتها للكاميرا من الجميع.
مسلسل «الفتوة» يلعب فى منطقة مختلفة.. تشعر بأن الممثلين فيه متحررون من كل القيود التى أصبح أغلب الفنانين ينشغلون بها عن عملهم الأساسى وهو التمثيل، وأولها بالطبع السوشيال ميديا.
من بين كل ممثلى «الفتوة» المجيدين لأدوارهم برقت موهبة مها نصار، «زينب» أخت الفتوة حسن الجبالى.. شهابٌ خاطف من الموهبة الخام الخالية من أى نسبة افتعال جعلها تلامس المستحيل وتقترب من عرين عبلة كامل الفولاذى.
الربط مع عبلة فى ذهنى ترسخ تحديدًا فى المشهد الأخير من الحلقة السادسة والعشرين من «الفتوة» عندما اكتشفت زينب الجبالى وفاة أمها «إنعام سالوسة».. لا إراديًا تذكرت «الماسترسين» لكل مشاهد الحزن على الموت فى العالم، مشهد وفاة نعمة عطا المركيبى «دلال عبدالعزيز» ورد الفعل الأسطورى لجليلة «عبلة كامل»، مشهد يجب أن يدرس فى كل معاهد التمثيل فى العالم، مشهد موت خالٍ من الصريخ والعويل والعروق النافرة والدموع الهادرة، وكل تلك الإفرازات غير المبررة، وكأن الممثلين يتسابقون فيما بينهم عمن يخرج إفرازات أكثر فى مشاهد الحزن.. حتى نمصمص شفاهنا تأثرًا، إلى أن أتت عبلة كامل بما لم يؤت به الأوائل فى مشهدها التاريخى الذى لا يتعدى الدقيقة والربع، وكله عبارة عن جملتين قالتهما جليلة بعد أن وضعت السبحة على جثمانها المغطى بالأبيض، ثم قالت يا مقرب البعيد يارب أستغفر الله العظيم.. ثم نامت بجانب نعمة الميتة وشاركتها الكفن الأبيض.
مشهد على بساطته حولته عبلة كامل إلى مشهد أسطورى خالد محفور فى وجدان كل أجيال «حديث الصباح والمساء».
الآن وبعد مرور ما يقرب من عشرين عامًا تأتى مها نصار قطعة الموهبة التى سقطت سهوًا من خلف جلباب عبلة كامل لتتحفنا بمشهد أسطورى آخر ليأتى كتتويج لدور رائع لامع وامض لا يمكن أن يتجاهله كل مَن شاهد المسلسل.. الكل أجاد من أول ياسر جلال مرورًا بأحمد صلاح حسنى وأحمد خليل ورياض الخولى ومى عمر ونجلاء بدر.. لكننى توقفت أمام دور زينب الجبالى توقفًا من نوع خاص، شعرت بأننى أمام ممثلة من النوع الذى يوضع فى مكان فريد، مكان جلست فيه وتربعت عبلة كامل بكل صولجانها، وأحمد زكى كمثال ذكورى على نفس الحالة الفريدة.
الخلاصة أن مها نصار «نبتة» حميدة بدأت تطل بوريقاتها الغضة الرقيقة لتبشر بشجرة راسخة من الموهبة شرط أن تراعى صاحبتها تلك الهبة الربانية وتحيطها بالرعاية والاهتمام والانتقاء السليم.. وحينها سوف أقول بمنتهى الثقة إن أحدهم قد طرق باب عبلة كامل أخيرًا.

الوسم

               

أترك تعليق
تابعنا على تويتر