لحظة كانت مستحيلة قبل 3 سنوات.. السعودية وروسيا في أوبك+

لحظة كانت مستحيلة قبل 3 سنوات.. السعودية وروسيا في أوبك+
+ = -

قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن الاتفاق الذي وقعته منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” وروسيا إلى جانب منتجين آخرين، أمس الثلاثاء، وهو ما وصفوه بـ”ميثاق تعاون” مفتوح لإدارة سوق النفط العالمي، نتاج جهود قادتها السعودية وروسيا، لإضفاء طابع رسمي على عامين ونصف العام من عمليات تنسيق إنتاج النفط لدعم الأسعار، وسط طفرة في الإنتاج، لاسيما في ظل ازدهار التنقيب عن النفط الصخري في الولايات المتحدة.

ولقد جمع الاتفاق، المعروف باسم “تحالف فيينا” لدى محللي قطاع النفط، 24 دولة تنتج مجتمعة ما يصل إلى حوالي 47 مليون برميل نفط يوميًا، أو ما يقرب من نصف إنتاج العالم.

وتعد روسيا، التي بلغ متوسط إنتاجها 11.5 مليون برميل يوميا في عام 2018، واحدة من أكبر ثلاث دول منتجة للنفط في العالم. وهو ما يجعلها شريكًا طبيعيًا لـ”أوبك” في بعض النواحي. لكن روسيا كانت مترددة في العمل مع العمالقة الآخرين في مجال النفط، حتى وقع انهيار أسعار النفط في عام 2014، ما دفع الرئيس بوتين في نهاية المطاف إلى مسايرة الراغبين (السعودية) في “أوبك” بتخفيض الإنتاج عام 2016.

ونسبت الصحيفة لجيسون بوردوف، المدير المؤسس لمركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، القول إن الترتيبات التي تم الإعلان عنها يوم الثلاثاء تمنح موسكو “مسرحًا آخر للتأثير الجيوسياسي والتعبير عن إرادتها، وهو مسرح مهم للولايات المتحدة بشكل خاص”.

وقال إن تحالف روسيا الوثيق بشكل متزايد مع “أوبك”، ومع السعودية على وجه التحديد، يمكن أن يغير الديناميكيات الجيوسياسية في أسواق النفط.

وقال السيد بوردوف، الذي شغل منصب مستشار الطاقة في إدارة أوباما: “لقد كانت الولايات المتحدة تستمتع بإمكانية إجراء الحوارات مع معظم دول منظمة أوبك الرئيسية”. قبل أن يضيف: “لكن الآن دخل، وفي دور قيادي في الاتفاق، بلد يُعد من خصوم أميركا”.

وقال محللون إن مشاركة روسيا في الحلف قد تكون محدودة، بسبب هيكلة صناعة النفط في البلاد. فشركات النفط الروسية لا سيما روزنفت (Rosneft) التي تعد أكبر منتج روسي للنفط، هي شركات متداولة وتخشى من أن تُخبر بضرورة خفض الإنتاج.

ويقول المحللون إن تعاون بوتين مع السعوديين، يأتي على أمل منع الرياض من تكرار ما حدث في 2014، عندما توقفت ببساطة عن محاولة إدارة الأسواق، مما أدى إلى انهيار الأسعار وانخفاض الإيرادات انخفاضًا حادًا بالنسبة لروسيا وغيرها من منتجي النفط.

ويبدو أن بوتين قد اكتسب ثقة كبيرة لدى كبير صُنّاع السياسة في السعودية، ولي العهد محمد بن سلمان، حيث قال وزير النفط السعودي خالد الفالح للصحافيين يوم الاثنين، إن الزعماء السعوديين والروس قد التقوا في أوساكا جزئياً لمناقشة زيادة التعاون في المجال النفطي.

السعودية وروسيا في أوبك+

اهتمت الصحافة العالمية بدخول موسكو نادي “أوبك” الجديد، وقالت وكالة “بلومبيرغ” إنه كان من المفترض أن تكون علاقة عابرة لا تتجاوز مدتها ستة أشهر، بيد أن السعودية وروسيا عوضًا عن ذلك قررتا الارتباط في علاقة أبدية.

ففي حفلٍ ألقيت في قصيدة وبرنامج احتفالي، قادت العاصمتان، موسكو والرياض، عشرات الدول للتوقيع على ميثاق لتأسيس مجموعة سميت بـ “أوبك+”، وعملت على مدار العامين ونصف العام الماضيين على تنسيق عمليات الإنتاج لدعم أسعار النفط.

وشبّه الأمين العام لمنظمة “أوبك”، محمد باركيندو، هذا الاتفاق “بالعلاقة الأبدية”، مشيراً إلى أنه سيستمر “إلى الأبد”.

وتقول “بلومبيرغ” إنها لحظة كانت تعتبر مستحيلة تقريبًا قبل ثلاثة أعوام، حيث كانت هنالك حالة من عدم الثقة استمرت لعقود من الزمان وأضرت بالعلاقات التي تجمع بين أكبر بلدين مصدرين للنفط في ظل انخفاض الأسعار.

ولكن في أواخر عام 2016، أطلق وزير الطاقة السعودي خالد الفالح ونظيره الروسي أليكساندر نوفاك وعودًا بأن يستمر اتفاق خفض الإنتاج، الذي سيتوصلون إليه، لمدة ستة أشهر فقط، موجهين بذلك شكوكًا باستحالة العلاقة بين الرياض وموسكو رددها عدد من المحللين وشخصيات رفيعة المستوى.

الدبلوماسية النفطية

توصلت المجموعة هذا الأسبوع إلى اتفاق لتمديد خفض الإنتاج لعامٍ رابع، تحديدًا إلى مارس من عام 2020. لكن توقيع الميثاق كان بمثابة لحظة نجاح هامة في الجهود الدبلوماسية الأوسع التي تبذلها روسيا والسعودية.

واعتبرت وكالة بلومبيرغ أنه من أهمية الحدث أن الرئيس الروسي هو أول من أعلن عن نتائج اجتماع “أوبك+”، بعد أن عقد محادثات مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في أوساكا يوم السبت. وتخطط الرياض حينما يزور بوتين السعودية في وقت لاحق من هذا العام، لدعوة قادة آخرين في مجموعة “أوبك+” لعقد مراسم توقيع هذا الميثاق.

بالنسبة للمملكة العربية السعودية، تعد مسألة تحويل الائتلاف المخصص إلى مجموعة رسمية بمثابة استراتيجية للتحوط ضد الاضطرابات المستقبلية التي قد تلحق بسوق النفط. إذ بات بمقدور المملكة الآن الاعتماد على مجموعة تقوم تقريبًا بإنتاج نصف كمية النفط العالمي للحصول على دعم.

وأما بالنسبة لروسيا، فإن مسألة إضفاء طابع رسمي على المجموعة تعزز وضع بوتين في الشرق الأوسط. وهذا الأمر يمثل ضربة للولايات المتحدة، التي عارضت تزايد نفوذ روسيا في المنطقة، حيث أجاب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو حينما سئل في وقت سابق من هذا العام عما إذا كان بوسع الرئيس بوتين استخدام الدبلوماسية النفطية لكي تحل روسيا محل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قائلًا: “إنني واثق من أن جهود الرئيس الروسي بوتين ستفشل”.

ويمثل الميثاق، ضمنيًا، اعترافاً بطبيعة المشكلة طويلة الأمد التي تواجه السعودية وغيرها من الدول المنتجة الرئيسية. يُذكر أن أسعار النفط قد تراجعت يوم الثلاثاء على الرغم من الاتفاقية، مع انخفاض خام برنت 3.8%.

يشير النمو السريع في إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى المخاوف المتعلقة بوجود تباطؤ في الطلب إلى أنه لا توجد خيارات كثيرة أمام مجموعة “أوبك+” سوى الاستمرار في خفض الإنتاج، وفي حال لم تفعل ذلك فإنها ستشهد انخفاضًا في الأسعار.

واعترف الفالح بذلك إلى حد كبير، حيث قال إن الدول المنتجة للنفط ستحتاج إلى “الاستمرار في التكيف” حتى يصل إنتاج النفط الصخري إلى ذروته في نهاية المطاف.

ويشكل هذا الأمر على وجه الخصوص حقيقة مرهقة بالنسبة للسعودية، التي تقوم بالجزء الأكبر من عملية الخفض، حيث بلغ الإنتاج الروسي في شهر يونيو (11.115) مليون برميل في اليوم، وهو أقل بنسبة 0.5% من مستوياته في ديسمبر من عام 2016، قبل بدء سريان اتفاق خفض الإنتاج. لكن على الجهة المقابلة، انخفض إنتاج السعودية بنسبة تفوق 7% خلال الفترة ذاتها.

فشل الاعتراض الإيراني

صحيحٌ أن الوزراء اتفقوا بشكل سريع على جوهر الاجتماع المتمثل في تمديد فترة خفض الإنتاج لتسعة أشهر، إلا أن الأمور تعثرت بعد ذلك، إذ قام وزير النفط الإيراني بيجن زنجنه بتعقيد الاتفاق. فعندما وصل الأمر إلى الموافقة على الميثاق، أبدى الوزير الإيراني بعض المقاومة، وفقًا لما ذكره عددٌ من الأشخاص المشاركين في المفاوضات.

يُذكر أن زنجنه كان معترضا على السيطرة المتزايدة لروسيا والسعودية على مسألة صنع القرار في المجموعة، إذ حذر قبل الاجتماع من أن هذا الأمر قد يمثل نهاية “أوبك”. والآن، مع انخفاض إنتاج بلاده بحوالي 1.5 مليون برميل في اليوم عن العام الماضي بسبب العقوبات الأميركية، كان مصممًا على تأكيد سلطة بلاده كبلدٍ مؤسسٍ لمجموعة المنتجين.

أرادت الجزائر أيضًا أن تتأكد من أن السعودية لن تتمكن من استخدام ميثاق “أوبك+” لفرض أي آراء على الأعضاء الآخرين لـ”أوبك”، وهي المنظمة التي جرت العادة أن تعمل وفق آلية الإجماع.

وبدأ الوزير الإيراني من خلال التشديد على أن ميثاق “أوبك +” ينبغي أن تتم إدارته وحوكمته من خلال لوائح أوبك الخاصة وتنظيماتها، وهو المقترح الذي من شأنه أن يلزم روسيا بقوانين منظمة “أوبك”.

خلال تلك اللحظة، وبحسب أحد الأشخاص الحاضرين في القاعة، فإن الاجتماع كان قد بدا على وشك الانتهاء بعد ذلك التصريح، مع وجود بعض المقترحات من أن الوفود ينبغي أن تقضي بعض الأسابيع الإضافية في العمل على الميثاق.

وقد عمل وزير النفط الفنزويلي الذي يترأس الجلسة الدورية لاجتماع أوبك، على تقريب وجهات النظر مع نظيره الإيراني، مثلما فعل وزير الدولة لشؤون الطاقة في السعودية، الأمير عبد العزيز بن سلمان، المفاوض المخضرم الذي تدخل في مناسبات سابقة لتهدئة الخلافات. أخيرًا تم تذوق حلاوة اللقاء والاجتماع ولكن بطريقةٍ تقليدية: إذ كان قرار أوبك، المنفصل عن ميثاق “أوبك+”، ينص على أن الميثاق الجديد ستتم كتابته “دون المساس بقدسية نظام أوبك الأساسي”.

الوزير غضبان

قال ثامر غضبان، وزير النفط العراقي: “هذا الأمر يتعلق بالجوانب الفنية. لقد تطرقت إليه إحدى الدول الأعضاء وأرادت فقط التأكد من أنه لن يؤثر على سيادة أوبك”.

بحلول صباح يوم الثلاثاء، عندما انضم وزراء أوبك إلى نظرائهم من روسيا وأعضاء آخرين من خارج أوبك، كان كل ما تبقى مجرد شكليات: صورة جماعية، حيث يحمل كل وزير نسخة من الميثاق الجديد ويرتدي شارة تحمل شعارًا جديدًا يعكس تعاون المجموعة. أيضًا، مع قصيدة تقول في بيتها الأخير:

“الشكوك باقية، والتحدي يزداد صعوبة،
لكن المستقبل مشرق، والآن لدينا ميثاق”.

               

أترك تعليق
تابعنا على تويتر